موقع د. رفيق يونس المصري

  • تكبير حجم الخط
  • حجم الخط الإفتراضي
  • تصغير حجم الخط
الرئيسية حوارات عرض ومناقشة ورقة سامي سويلم: التحوط في التمويل الإسلامي

عرض ومناقشة ورقة سامي سويلم: التحوط في التمويل الإسلامي

إرسال إلى صديق طباعة PDF

     عرض ورقة سامي سويلم : التحوط في التمويل الإسلامي
Hedging in Islamic Finance

   الورقة باللغة الإنكليزية من إصدارات المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، التابع للبنك الإسلامي للتنمية 1427هـ (2006م). وتقع في 150 صفحة. ويبدو أن المعهد يبدي اهتمامًا بهذا النوع من البحوث، ويشجع الباحثين على بحثه ونقده، كما يظهر من تقديم الكتاب. ويذكر الباحث في مقدمة الكتاب أن محاولته هذه ليست نهائية، بل هي تحت التطوير، لأن الموضوع غني ومتشعب ومعقد، وليس في مقدور باحث واحد أن يحسمه، وغاية ما يتمناه صاحبه هو أن يشير إلى بعض الاتجاهات الملائمة لطرق الموضوع، واستثارة باحثين آخرين على متابعته، ومحاولة إيجاد أجوبة عن المسائل التي تثير التحدي.

وتتألف هذه الورقة، التي هي حصيلة عدة أوراق سابقة للباحث (انظر قائمة المراجع، ص143 و149)، من ثمانية فصول: الأول تمهيدي، والثاني عن تقلبات الأسواق المالية، والثالث عن المشتقات المالية، والرابع عن المنهج الإسلامي، والخامس عن نظرية الغرر، والسادس عن الهندسة المالية من منظور إسلامي، والسابع عن الأدوات الإسلامية للتحوط، والثامن ختامي.

جاء في المستخلص أن هذه الورقة تقترح عدة أدوات لمراقبة المخاطر وتخفيضها، وهي مرتبطة على العموم بالعقود الإسلامية. من هذه المخاطر: مخاطر رأس المال، ومخاطر معدل العائد، ومخاطر السيولة، ومخاطر صرف العملات. وتقدم هذه الورقة أيضًا بعض أدوات التحوط التقليدية التي تبدو موافقة للمبادئ الإسلامية، وكذلك المنهج الإسلامي تجاه الخطر، واستراتيجيات تطوير المنتجات الإسلامية. ويمكن القول عمومًا من وجهة النظر الإسلامية بأن الخطر لا يمكن المتاجرة به مستقلاً عن ملكية الأصل ذي العلاقة. وعلى العكس من ذلك، فإن الأدوات التقليدية السائدة تمشي في الاتجاه المعاكس. فالخطر فيها منبت عن الملكية، ومن ثم فإنه يعامل كأنه سلعة في ذاته. وهذا ما يجعل كلاً من إدارة الخطر وخلق الثروة يتحرك في اتجاه مختلف، ويتنافس على الموارد النادرة. وأهم من هذا، فإن تسليع الخطر (جعله سلعة) يضع الحواجز أمام النمو، ويؤدي إلى تكثير الأخطار، ويصبح توزيع هذه الأخطار مشوهًا، من حيث إن الأكثر رغبة في تحملها هو الأقل قدرة على هذا التحمل. إن أدوات التحوط الإسلامية تتجنب هذه المحاذير، بأنها تربط الخطر بالملكية، ومن ثم بالأنشطة التي تحقق قيمة مضافة. وهذا ما يضمن إمكانية الكسب المتبادل، في الوقت الذي يتم فيه تخفيض المخاطر وإدارتها. وهذا يعني أن الأدوات الإسلامية تمزج بين إدارة الخطر وخلق الثروة، بما يؤدي إلى إنجاز أفضل على الجبهتين معًا. ويمكن تحقيق التحوط أيضًا من خلال ترتيبات غير ربحية (غير هادفة إلى الربح). فالتحوط المتبادل يمكن أن يسد حاجات الأطراف المختلفة، في تجنب الأخطار، بأقل ما يمكن من القيود. وبما أن التحوط المتبادل لا يهدف إلى الربح، فإنه يجنبنا مشكلات المضاربة السعرية ومشكلات زيادة الأخطار المرتبطة بالنظام.

وقد يفيد القارئ المستعجل أن ننقل له أيضًا ما جاء في الفصل الختامي، حيث يقول الباحث بأن الخطر يشكل تحديًا للتمويل الإسلامي والتقليدي على السواء. وعلى الرغم من الأساليب البارعة التي ابتكرت لإدارة الخطر، فإن الأسواق العالمية قد أصابها التقلب المتزايد والمستمر، وازدادت وتيرة الأزمات المالية وشدتها. وقد أثارت الأدوات التقليدية للخطر العديد من الهموم، بخصوص عدم استقرار النظام، بالإضافة إلى عدة مشكلات تتعلق بالجوانب القانونية والأخلاقية. فهذه الأدوات يمكن استخدامها في التحوط والمقامرة معًا، كما بين كينيث آرو Kenneth Arrow، وليس هناك أي ضمان لكي تتجه هذه الأدوات نحو الأغراض الإنتاجية، بل تشير الإحصاءات بوضوح إلى أن استخدام هذه الأدوات في المضاربة السعرية وسائر الأنشطة المتعلقة بالمقامرة أكثر بكثير من استخدامها في التحوط. ويجمع المتخصصون على أن الخطر يمكن إدارته، ولكن لا يمكن استبعاده من الأنشطة الاقتصادية. "لا شيء من الخطر لاشيء من الكسب" (لا كسب بلا خطر) هي القاعدة الأولى في عالم التجارة. فلا يمكن تحقيق أي تقدم اقتصادي بدون تحمل مخاطر. فروح المخاطرة عند المنظم هي القوة التي تقود إلى الازدهار، ومن ثم فإن المخاطرة هي قيمة أخلاقية أساسية. وعلى هذا فإن التحدي يكمن في القدرة على التمييز بين هذين النقيضين، وإيجاد أدوات مختارة تصلح لإدارة الخطر، دون أن تصلح للقمار والسلوك غير الإنتاجي. وبهذا يتضح أن العقل البشري إذا ترك وحده فإنه يعجز عن حل هذه المعضلة. لكن الهدي الإلهي يدل على الطريق الصحيح إلى الحل المنشود. ذلك أن تعاليم القرآن والسنة تقدم النطاق الضروري لإيجاد جواب لهذا التحدي القديم الضارب في عمق الزمن. وفي قلب هذا النطاق يقع التمازج بين إدارة الخطر وخلق القيمة المضافة. وهذا التمازج يرفع مستوى الكفاءة الاقتصادية، ويفتح الباب أمام ابتكارات غير محدودة. وتشكل هذه الورقة محاولة لبيان هذا النطاق، مع إعطاء أمثلة عملية. وتغطي الأدوات المقترحة تشكيلة واسعة من المخاطر، منها: مخاطر رأس المال، ومخاطر السيولة، ومخاطر معدل العائد، ومخاطر العملة. وهناك مناقشة لمعظم أساليب التمويل الإسلامية، مثل: المضاربة، والمشاركة، والمرابحة، والسلم، وكيف يمكن إدارة المخاطر المرتبطة بها. وتسفر هذه المناقشة عن ثراء الشريعة بالحلول الأصيلة التي تحقق التكامل بين إدارة الخطر وخلق القيمة. فالشريعة وإن كانت فيها قيود، إلا أن هذه القيود لا تمنع الابتكار، لأن الشريعة تهدينا دائمًا للتي هي أقوم وأفضل (ص 89). على أن هذه الأمثلة والأدوات ليست نهائية ولا حاسمة، ولكنها مجرد إشارة إلى الاتجاه نحو بحث علمي نافع في المستقبل.

وفيما يلي ملخص أوسع للكتاب، موزع على العناوين التالية، التي اختصرنا فيها من العناوين الكثيرة الواردة في الورقة:

-  الحاجة إلى التحوط وإدارة الخطر: تنمو الصناعة المالية الإسلامية بسرعة كبيرة، ويزداد باستمرار تقدير السوق للأدوات الإسلامية، كما تزداد رغبة المؤسسات المالية في تقديم الخدمات الإسلامية لزبائنها. غير أن الأدوات الإسلامية، ولاسيما أدوات التحوط وإدارة الخطر، لا تزال بعيدة عن مواكبة هذا النمو (ص 13).

-  الخطر: يمثل تحديًا للتمويل الإسلامي والتقليدي معًا، ويجمع الخبراء والمتخصصون على أن أي نمو اقتصادي لا يمكن أن يتم بدون ركوب المخاطر. فلا ربح بدون خطر هو المبدأ الأول في الاستثمار. وغياب الخطر إنما يشوه الحوافز، ويضعف الكفاءة الاقتصادية. ومن ثم فإن الخطر لازم للتقدم الاقتصادي. لكن بالمقابل، فإن الخطر الفاحش أو المفرط يعوق الاستثمار، ويمنع النمو. وتصبح المسألة إذن: كيف يمكن الوصول إلى نوع من التوازن بين هذين النقيضين؟ (ص 14). يصل الإسلام إلى هذا عن طريق عدم فصل الخطر عن ملكية السلع الحقيقية. أما التمويل التقليدي فيصل إلى ذلك عن طريق المشتقات المالية.

-  المشتقات المالية: تفصل الخطر عن الأصل ذي العلاقة. وهذا ما يؤدي إلى أن يتحرك كل من إدارة الخطر وخلق الثروة في اتجاه مختلف، ومن ثم التنافس على الموارد المحدودة. إنهم يجعلون الخطر سلعة، ويترتب على هذا تكاثر المخاطر (مخاطر مركبة على غرار الفوائد المركبة)، واختلال توزيعها، وزيادة عدم الاستقرار وتركز الثروة. ولهذا فإن التمويل الإسلامي لا يصلح للمسلمين فحسب، بل يصلح لغيرهم أيضًا (ص 15). وقد شهد العقد الماضي أزمات مالية كبيرة، في عدة أنحاء من العالم، وتقلبات حادة في الأسواق المالية (ص 19)، وإن كانت هذه الأسواق متقلبة بطبيعتها، وهذا ما حدا بجوزيف ستيغلتز Stiglitz الحائز على جائزة نوبل لأن يقول: إن هناك خطأ ما في النظام المالي كله!

والمشتقات عبارة عن أدوات مالية للتجارة بالخطر، أهمها: المستقبليات، والخيارات، والمبادلات. وتصلح للتحوط كما تصلح للمضاربة في آن معًا. وهي لعبة ذات مبلغ صفري Zero-Sum Game، لأن ما يربحه أحد الطرفين هو ما يخسره الآخر، فهي ليست مبادلات حقيقية، لأن الملكية لا تنتقل من أحد الطرفين إلى الآخر، و99% من هذه المبادلات تجري تسويتها قبل الاستحقاق، فهي ليست عقودًا للتسليم والتقابض، بل هي عقود للمحاسبة على فروق الأسعار، والمتحوطون والمستثمرون في السوق قلة، والذين يسيطرون على السوق هم المضاربون، و97% من المشتقات تستخدم في المضاربة (ص 48 و 84). وسوق المشتقات هي سوق ذات مبلغ صفري، لأنها لا تخلق ثروة إضافية في مقابل المخاطر الإضافية التي تخلقها المشتقات، ولاسيما إذا كانت مرفوعة بالقروض.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه المشتقات لاقت عند ظهورها في منتصف القرن التاسع عشر كثيرًا من الاعتراضات القانونية والأخلاقية، بأنها أسلحة للتدمير الشامل، أو قنابل موقوتة قابلة للانفجار في كل لحظة، أو أدوات للقمار أو الرهان، في أسواق هي أشبه بالكازينوهات التي تمارس فيها ألعاب بوكر، في مونت كارلو أو لاس فيغاس، إذ لاتسليم فيها ولا تسلم، بل هي تسوية نقدية على فروق الأسعار. يقول هنري غونزاليز Henry Gonzalez: "يمكنكم أن تسموا تجارة المشتقات كما تشاؤون، ولكن اسمها في كتابي هو القمار". وما يتم التجارة به ليس هو الخطر، لأن الخطر ليس له وجود إلا في الأذهان، إن ما يجري التجارة به هو نقود بنقود، كما يقول كينيث آرو. وكذلك كان القانون المصري يعدها قمارًا حتى عام 1909م.

وتسمح أسواق المشتقات بتحويل الخطر إلى من يرغب في تحمل الخطر، وليس إلى من يستطيع تحمله وإدارته. وفصل الخطر عن أصله المادي كفصل الزمن عن العمليات الحقيقية في القرض الربوي، كلاهما سبب في وقوع الأزمات المالية. والخطر والزمن يرتبط أحدهما بالآخر ارتباطًا كبيرًا، وهما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة. وفصل الخطر يؤدي إلى زيادة المخاطر، وزيادة تكاليف إدارتها. كذلك الأمر بالنسبة للزمن، إذا تم فصله عن النشاط الحقيقي، من خلال الإقراض بالفائدة، فهذا يؤدي إلى ارتفاع مستويات الديون، وارتفاع تكاليف التمويل، من خلال ارتفاع تكاليف خدمة الدين، فكما أن الفائدة تتراكم وتتراكب على الديون السابقة، وتؤدي إلى إحداث فجوة هائلة بين النشاط التمويلي والنشاط الحقيقي، فكذلك المشتقات تتكاثر وتتراكب وتتباعد أكثر وأكثر عن النشاط الحقيقي. وكما أن الفوائد المركبة تحمل الاقتصاد تكاليف أكبر بكثير من تكاليف التمويل الحقيقي، فكذلك المشتقات تحمل الاقتصاد تكاليف أكثر بكثير من تكاليف المخاطر الحقيقية. فلا عجب إذن أن يعدّ الدين المستند إلى الفائدة عاملاً كبيرًا في تسهيل المضاربة على الأسعار وإحداث الأزمات المالية، كما يقول شابرا (ص 42). ولهذا يندمج في الإسلام القطاع الحقيقي والقطاع المالي معًا، ولا ينفصل أحدهما عن الآخر.

والمشتقات مصممة للتعامل مع أخطار معروفة، أما أخطار القوة القاهرة فلا تحوط لها. ولذلك تبدو مشتقات التحوط كالمظلة التي تعطى للناس عندما يكون الجو صحوًا، وتسترد منهم عندما يصبح الجو ممطرًا (ص 49)، وهذا ما يقال أيضًا بحق البنوك. وبالإضافة إلى ذلك، فإن أسواق المشتقات تتركز إلى حد كبير في عدد قليل من البنوك الكبرى، وتتركز تجارة هذه المشتقات في هذه البنوك. ويؤدي تركيز هذه الأخطار إلى عدم الاستقرار الاقتصادي، ذلك لأن أي واحدة من هذه المؤسسات الكبرى إذا ما عانت من صعوبة، فإن العدوى تنتقل بصورة جدية وسريعة إلى مواضع بعيدة جدًا، وتكون المحصلة النهائية أن أسواق المشتقات تؤدي إلى تركيز المخاطر بدلاً من تشتيتها، الأمر الذي يكون من شأنه زيادة تقلبات السوق بدلاً من نقصانها. ويدعي البعض أن الأعداد الكبيرة من المضاربين تساعد على تنويع المخاطر وتحييدها، وعلى تزويد السوق بالسيولة. قد يكون هذا صحيحًا لو كانت هذه المخاطر مستقلة بعضها عن بعض، كما يتطلب قانون الأعداد الكبيرة.

ويدل الواقع التاريخي على أن الأسواق العالمية يتزايد الترابط بينها بصورة مستمرة. فالأزمة الآسيوية عام 1997م والأزمة الروسية عام 1998م كان لهما أثر كبير جدًا على الأسواق الغربية. وعلى هذا لا يمكن أن نعتبر أسواق المشتقات مستقلة. يؤيد هذا "سلوك القطيع"، أي تقليد المستثمرين بعضهم لبعض في السوق. وينشأ هذا السلوك من اختلاف العوامل النفسية والعوامل المتعلقة بالمعلومات، الأمر الذي يؤدي إحداث فقاعات وانهيارات. كذلك الأمر بالنسبة لسلوك المضاربين لا يمكن اعتباره مستقًلا تمامًا، ومن ثم فإن المضاربين يزيدون في المخاطر بدلاً من إنقاصها.

ويدعي أنصار المشتقات أنها لا تجعل الاقتصاد أكثر تعرضًا للمخاطر، لأن تجارة المشتقات هي تجارة صفرية المبلغ، بمعنى أن ما يخسره طرف هو ما يربحه الطرف الآخر، ومن ثم فلا توجد خسارة صافية، والمشتقات لا تجعل النظام أسوأ. غير أن خصوم المشتقات يأخذون على هذه الحجة أنها لا تأخذ بالاعتبار كيف تؤثر الصفقات ذات المبلغ (أو المجموع) الصفري على المتغيرات الكلية. فالأنشطة الاقتصادية، ولاسيما إذا كانت مرفوعة بالديون، تخلق شبكة من العلاقات المالية بين المشاركين في السوق، بحيث إن انهيار أحدهم يجرّ انهيار الآخرين. ولئن كان هذا الترابط يؤدي إلى أن تكون السوق أكثر كفاءة، إلا أنه يجعلها في الوقت نفسه أكثر تعرضًا للصدمات الخارجية.

-  نظرية الألعاب (أو المباريات): اللعبة لها عدة تعاريف، لكن تعريفها المختار هنا هي أنها معاوضة هادفة إلى الربح بين لاعبين أو أكثر، يكون الربح فيها غير مؤكد عند بدء اللعب. قد يقال هنا إن هذا ينطبق على المشاركة. هذا صحيح لأن الباحث يدخل المشاركة في التعريف، كما سيتبين بعد قليل. ويمكن تقسيم الألعاب إلى ثلاثة أنواع:

§  ألعاب المبلغ الإيجابي Positive-Sum Games: وهي الألعاب التي يكون فيها اللاعبون ذوي مصالح مشتركة غير متعارضة: يربحون معًا أو يخسرون معًا، ويضرب الباحث مثالاً على ذلك بالمشاركة، حيث يربح الشركاء إذا ربحت الشركة، ويخسرون إذا خسرت، ولا يشترط التساوي بينهم في ذلك.

§  ألعاب المبلغ الصفري Zero-Sum Games: وهي الألعاب التي إذا ربح فيها أحدهم خسر الآخر، مثال ذلك ألعاب القمار، حيث يكون ربح أحدهم على حساب الآخر، ومن ثم فإن مصالح الفريقين متعارضة. ويتم تحويل الثروة من فريق إلى آخر بدون مقابل، فهذا من باب أكل المال بالباطل، في الوقت الذي يريد فيه كل من الفريقين الربح، ولا يريد التبرع أو الهبة. فهذه الألعاب يربح فيها الطرفان في بداية اللعبة، لأن كلاً منهما يتوقع الربح، ولكن في نهاية اللعبة هناك طرف واحد هو الرابح، والآخر خاسر. فهي في البدء رابح رابح، وفي الختام رابح خاسر. والعبرة بالنتيجة الفعلية، وليس بالنتيجة المتوقعة.

§  الألعاب المختلطة Mixed Games: وهي التي تجمع بين النوعين، إذ تسمح بالكسب المشترك، مع وجود تنازع في المصالح. مثالها: المزارعة، والجعالة، والعربون. والحقيقة أن معظم الأنشطة الاقتصادية هي من باب الألعاب المختلطة أو الألعاب غير الصفرية، كما يقول شيلينغ Schelling . وعلى هذا فإن الحياة ليست قمارًا، كما يدعي الكثير من الكتاب (ص 72).

-  الخطر في الإسلام: يقول ابن تيمية: "الخطر خطران: خطر التجارة، وهو أن يشتري السلعة بقصد أن يبيعها بربح، ويتوكل على الله في ذلك، فهذا لابد منه للتجار (...). فالتجارة لا تكون إلا كذلك. والخطر الثاني: الميسر الذي يتضمن أكل مال الناس بالباطل، فهذا الذي حرمه الله ورسوله" (تفسير آيات أشكلت 2/700). ويعلق الباحث على هذا الكلام فيقول: إن هناك نوعين من الخطر: خطر مرتبط بالمعاملات الاقتصادية العادية، أي الأنشطة التي تضيف قيمة أو تخلق ثروة؛ والخطر الثاني هو الخطر المرتبط بأكل المال بالباطل، أي بالأنشطة ذات المبلغ الصفري، حيث لا توجد ثروة إضافية صافية (ص 55).

والخطر بالنسبة للمنفعة كالمشقة بالنسبة للمنفعة، فالخطر والمشقة غير مقصودين في ذاتهما، إنما المقصود هو المنفعة التي قد لا تنفك عن خطر أو مشقة. يقول ابن تيمية: "قول بعض الناس: الثواب على قدر المشقة ليس بمستقيم على الإطلاق (...). ولو قيل: الأجر على قدر منفعة العمل وفائدته لكان صحيحًا (...). أما كونه مشقة فليس هو سببًا لفضل العمل ورجحانه، ولكن قد يكون في العمل الفاضل مشقة، لكن فضله لمعنى غير مشقته (...). قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة في العمرة: (أجرك على قدر نصبك)، لأن الأجر على قدر العمل في بعد المسافة، وبالبعد يكثر النصب، فيكثر الأجر (...). وكثيرًا ما يكثر الثواب على قدر المشقة والتعب، لا لأن التعب والمشقة مقصود من العمل، ولكن لأن العمل مستلزم للمشقة والتعب" (فتاوى ابن تيمية، 10/620).

ويتعرض الباحث لما أسماه "الخطر المغتفر"، الذي شرط له ثلاثة شروط: الأول أن لا يمكن تجنبه (أو الاحتراز منه)، والثاني أن يكون يسيرًا، والثالث أن يكون تابعًا غير مقصود (ص 58).

ورأى الباحث أن الخطر يغتفر إذا كان احتمال النجاح أعلى من احتمال الفشل (ص60). وبنى على هذا أن الخطر في اليانصيب غير مغتفر، لأن احتمال الفشل أو الخسارة أعلى بكثير من احتمال الفوز أو الربح، ويتم التعويض عن ضعف احتمال الفوز بتكبير حجم الجائزة، لإغواء المقامر (الاحتمال صغير، والمبلغ كبير)، ومثله المضارب في البورصة، فإن الذين يتاجرون بالمشتقات (كالمستقبليات، والخيارات) يخسرون أكثر من 70% من عدد المرات. وأخيرًا فإن الخطر في الإسلام ليس مرغوبًا في ذاته، إنما المرغوب هو خلق القيمة، والخطر تابع.

- الأدوات الإسلامية للتحوط: التحوط بالمعنى الشائع هو التقليل ما أمكن من التعرض للخطر. وبما أن الخطر لا يمكن استبعاده من الأنشطة الاقتصادية، فإن الوساطة المالية تهدف إلى إدارة الخطر، ولا تهدف إلى استبعاده. ويعلم المستثمرون أن أول قاعدة من قواعد اللعبة هي: لاخطر لاكسب. ولهذا فإن التحوط يعني إدارة الخطر، ولا يعني استبعاده. ويكمن التحدي في استخدام أدوات تحوط تحقق منافع توزيع الخطر، دون أن تساعد على القمار. وهذا يتطلب أن تكون هذه الأدوات مندمجة بالأنشطة الحقيقية التي تضيف قيمة، ولا تكون حيادية أمام القمار.

وهناك عدة أنواع من التحوط: تحوط اقتصادي، وتحوط تعاوني، وتحوط تعاقدي. ويتم التحوط الاقتصادي عن طريق تنويع الاستثمارات، وتحقيق التوافق بين الإيرادات والمصروفات، أو بين الأصول والخصوم في الميزانية. فالبنوك مثلاً تقترض لأجل قصير، وتقرض لآجال أطول، لكن مما يساعد على حل مشكلتها هو وجود المصارف المركزية ونظام التأمين على الودائع.

وهناك تحوط طبيعي، فالبنوك العالمية مثلاً تتعامل بعملات عديدة مختلفة، فهي بطبيعتها متحوطة من خطر صرف العملات، دون استخدام أي أداة من أدوات التحوط.

والتحوط التعاوني يقضي على المضاربة السعرية، لأنه بلا أرباح، والمضاربة تهدف إلى الربح. وبهذا يمكن إنشاء صندوق تعاوني للتحوط من أخطار العملات، تحول إليه أرباح وخسائر صرف العملات، وإذا بقي فيه فائض تم الاحتفاظ به لتغطية أي عجز في المستقبل.

أما التحوط التعاقدي فيرى الباحث فيه أن من الممكن التحوط من تغيرات معدل العائد في الإجارة المنتهية بالتمليك باتفاق الطرفين على مراجعة أو تجديد عقد الإجارة بشكل دوري (كل 6 أشهر مثلاً)، حتى يتمشى معدل الأجر مع المعدلات السوقية.

أما إذا كان العقد مرابحة فيمكن الاتفاق في نظر الباحث على إمكان زيادة مبلغ القسط، وتقصير مدة الدين، إذا ارتفع معدل العائد. أما في حال انخفاض معدل العائد، فيمكن إنقاص مبلغ القسط، وزيادة مدة الدين. وزيادة مبلغ القسط توفر السيولة للممول، وإنقاص المبلغ يوفر السيولة للعميل. ويقترح الباحث في المرابحة أن يحصل البنك الإسلامي على حصة من الربح بدلاً من الربح المعلوم. وبهذا يتحوط من انخفاض معدل العائد، ويشترك في ارتفاعه. فيتخلص بذلك العميل من عبء العائد الثابت، ويستفيد البنك من عائد أعلى، ولا يكون هناك تنازع مصالح بين الطرفين.

ويقترح الباحث أسلوبًا آخر للتحوط من خطر انخفاض رأس المال، عن طريق ما أسماه بتحوط الفريق (أو الطرف) الثالث، حيث يقدم الممول (البنك) المال إلى الشركة بأسلوب المشاركة، ويصبح شريكًا مساهمًا في الشركة. ثم يبيع جزءًا من مساهمته (90% مثلاً) إلى طرف ثالث (شركة تأمين إسلامية مثلاً) بثمن مؤجل يساوي رأس ماله، ويحتفظ بالباقي (5%) الذي يسمح له بالاشتراك في أرباح الشركة، في حين أن الثمن المؤجل يحمي استثماره. وبهذا يشترك الطرف الثالث في الشركة، بدون أن يدفع شيئًا. وعندئذ فإن الشركة لا تتحمل عبء الدين، ويبقى الاستثمار بالنسبة للشركة شكلاً من أشكال المشاركة. وبهذا فإن هذا الترتيب يسمح للجميع بالكسب.

وفي البيع بثمن مؤجل، هناك ثلاثة أخطار: خطر الائتمان، وخطر السيولة، وخطر معدل العائد. أما الخطر الائتماني فيمكن معالجته عن طريق الكفالة أو الرهن، لكن لا يمكن معالجة خطر المماطلة بزيادة الدين. كما أن المدين إذا لم يكن قادرًا أو راغبًا في دفع 1000 مثلاً، فيكف يدفع 1200 ؟ فإن زيادة الدين لا تشكل حافزًا كافيًا للدفع. والحل المباشر الذي طبقته بنجاح بعض المصارف الإسلامية المعروفة هو الوصول المباشر إلى دخل العميل، حيث يمكن للمصرف اقتطاع المبلغ مباشرة في وقته. وهذا ما أدى إلى هبوط معدل المماطلة إلى 3 بالألف، دون حاجة إلى تطبيق أي شرط جزائي.

أما خطر السيولة فإنه ينشأ من أن الثمن المؤجل هو دين نقدي لا يمكن بيعه بثمن حالّ. وهذا يعني أن الديون الطويلة الأجل يواجه فيها المصرف مخاطر السيولة، إذ لا يستطيع تنضيضها (تسييلها) أو تصكيكها (توريقها، تسنيدها). وهنا يقترح الباحث حلين: الحل الأول مبادلة الدين بسلعة بدل النقود، حيث يمكن للمصرف استخدام الدين في دفع ثمن الأصول أو السلع التي يشتريها مرابحة، ويرى الباحث بهذا أن الدين قد تم خصمه بطريقة ملائمة. والحل الآخر هو دمج الدين النقدي مع أصول حقيقية في محفظة واحدة، بحيث لا يتجاوز الدين نسبة 50%، وعندئذ يمكن تصكيك المحفظة.

أما خطر معدل العائد (أو معدل المرابحة) فيمكن التحوط من تغيراته بتغيير مبلغ القسط وتغيير مدة الدين، كما سبق بيانه.

ولدى كلامه عن التحوط من تغيرات معدل العائد، قدم الباحث حلاً عامًا بإمكان تنويع الثمن المؤجل (ص 127) إلى سلع أو أسهم أو وحدات استثمارية أو صكوك أو مزيج من ذلك كله، بحيث تصبح نسبة الأصول الحقيقية 51%، لكي يكون الدين (الثمن المؤجل) قابلاً للتصكيك والتداول شرعًا، ولكي يستفيد الممول (البنك) من تغيرات أسعار الأصول، بدل اللجوء إلى معدل الفائدة العائم، ولكي يتم التخلص أيضًا من تنازع المصالح. وتختلف الصكوك المتنوعة الثمن عن السندات المرتبطة بسلعة، والمعروفة في البلدان الغربية، في أن الأولى عبارة عن مبادلة نقد بسلعة، في حين أن الأخرى عبارة عن مبادلة نقد بنقد.

وفي سياق كلامه عن التحوط من تغيرات معدل العائد، يقترح الباحث أسلوب السلم المستند إلى القيمة بدل الكمية. ومن المعلوم أن السلم عبارة عن ثمن معجل مقابل مبيع مؤجل. ويستفيد فيه البائع من التمويل الذي يقدمه إليه المشتري، ويستفيد المشتري من الحطيطة في الثمن التي يقدمها البائع لقاء التعجيل. ويجب في السلم تحديد الكمية المبيعة. والمشكلة فيه هي احتمال تغير ثمن السلعة عند حلول الأجل، فقد يختلف هذا الثمن عن الثمن الذي كان متوقعًا عند العقد. فانخفاض ثمن السوق عند تسليم المبيع قد يقضي على الحطيطة التي استفاد منها المشتري عند العقد وزيادة. ولهذا يمكن اللجوء إلى السلم بسعر السوق يوم التسليم، وقد أجازه ابن تيمية. وفي هذا النوع من السلم، يعجل مبلغ السلم، أما كمية السلم فلا تعرف إلا عند التسليم، وذلك بتقسيم مبلغ السلم على سعر الوحدة في السوق. فإذا انخفض السعر عند الاستحقاق زادت الكمية الواجب تسليمها، وعلى العكس إذا ارتفع السعر نقصت الكمية. وفي هذا النوع من السلم لا يحدث نزاع بين الطرفين، لأن سعر السوق لا يتحكم أي منهما في تحديده. وليس في هذا السلم أي ربا، لأن العملية عبارة عن نقد بسلعة، وليست نقدًا بنقد، فالمشتري عند الاستحقاق يتسلم سلعة، ولا يتسلم نقدًا. وهذه العملية تشبه المرابحة، حيث إن البنك في المرابحة يشتري نقدًا ويبيع لأجل، وفي هذا السلم يشتري لأجل ويبيع نقدًا، ومن ثم فلا يختلف هذا السلم عن المرابحة إلا في ترتيب الخطوات. ويمكّن هذا السلم الطرفين من أن يكسبا معًا، بخلاف القرض الربوي. وبما أن سلعة السلم لا يمكن بيعها قبل قبضها عند جمهور الفقهاء، لئلا يؤدي هذا إلى بيع المسلم فيه قبل قبضه، أو إلى ربح ما لم يضمن، فإن من الممكن إذا أراد المشتري التحوط من خطر السيولة اللجوء إلى السلم الموازي.

تعليق:

-  ليست هذه هي المرة الأولى التي أتعرض فيها للخطر، فقد سبق أن كتبت في كتابي أصول الاقتصاد الإسلامي (1409هـ) عن الخطر والزمن، وجعلتهما من عوامل الإنتاج التابعة، غير المستقلة، وذكرت أن الزمن لا يباع منفصلاً، ولكنه إذا تجسد في عمل أو مال أو حق أو دين كان له أثر في زيادة الإنتاج، وكانت له حصة إضافية من الربح أو الناتج (أصول الاقتصاد الإسلامي، ص 97). وتعرضت لدور المخاطرة في الكسب والتوزيع، في سياق نقدي لكتاب محمد باقر الصدر "اقتصادنا"، وشرحت حديث "الخراج بالضمان"، وقلت بأنه لا يفيد أن الخراج بالضمان المحض، بل يفيد ضمان الملك. وكذلك تعرضت لقاعدة "يستحق الربح بالمال والعمل والضمان"، وبينت أن الضمان في القاعدة والحديث بمعنى المخاطرة (نفسه ص 218). وفي الكتاب نفسه، طرحت سؤالاً: هل الأجر في الإسلام على قدر المشقة؟ وأوضحت أن معناه صحيح بافتراض أن كبر المشقة يتوافق مع كبر المنفعة (نفسه ص 196). وكنت نشرت مقالاً حول الموضوع في مجلة الوعي الإسلامي 1405هـ، نقلته في كتابي "بحوث في الاقتصاد الإسلامي" 1421هـ (ص 260). وعدت إلى موضوع الزمن والمخاطرة في مقال لي بمجلة الإسلام اليوم 1413هـ، نقلته أيضًا في الكتاب نفسه (ص 101)، وعرضت فيه لحديث النهي عن ربح ما لم يضمن (انظر أيضًا الكتاب نفسه، ص 113 و 142 و 338). وذكرت (ص 119) نص ابن تيمية: "ليس في الأدلة الشرعية ما يوجب تحريم كل مخاطرة" (مختصر الفتاوى المصرية، ص 535)، ونص ابن القيم: "المخاطرة مخاطرتان: مخاطرة التجارة (...)، ومخاطرة الميسر" (زاد المعاد 3/263). وفي كتابي "الخطر والتأمين"، 1422هـ، عالجت الخطر عند علماء المسلمين، وذكرت نص ابن تيمية الذي اعتمد عليه ابن القيم: "الخطر خطران..." (تفسير آيات أشكلت 2/700). وفي حوار الأربعاء المنشور في الموقع الإلكتروني للمركز10/4/1426هـ (انظر كتابي: المجموع في الاقتصاد الإسلامي، ص 221)، صرحت أيضًا بأن الخطر لا يباع مستقلاً. وفي كتابي "الميسر والقمار" 1413هـ، يجد القارئ المتتبع كلامًا عن الميسر والقمار والرهان والغرر والمخاطرة والقرعة والتأمين والمضاربة على الأسعار في البورصة ونظرية الألعاب (المباريات) ونظرية الاحتمالات (ص 16 و 27 و 58). وأرسلت تعليقًا لشركة الراجحي حول السلم بسعر السوق يوم التسليم، يمكن الرجوع إليه في حوار الأربعاء المنشور في موقع المركز 3/8/1423هـ، وفي مجلة جامعة الملك عبد العزيز: الاقتصاد الإسلامي، المجلد 16 العدد 2، 1424هـ، ص 67، وكتابي "المجموع" (ص 453)، مع الاختلاف بين المواضع الثلاثة في بعض التفاصيل. هذه هي عدّتي المتواضعة لمواجهة مثل هذا الموضوع.

-  تكلم الباحث عن الخطر المغتفر (ص 58)، والفقهاء يتكلمون عن الغرر المغتفر، وليس عن الخطر المغتفر، والخطر مختلف بمعناه الاصطلاحي عن الغرر. وطبق على الخطر المغتفر نفس شروط الغرر المغتفر: ألا يمكن تجنبه، أن يكون يسيرًا، أن يكون تابعًا. ولكنه أعطى لهذه الشروط معاني مختلفة لم تخطر على بال الفقهاء. فالفقهاء يعنون بالشرط الأول أن الغرر إذا أمكن اجتنابه فيجب ذلك ولو كان يسيرًا. أما الباحث فقد رأى أن هذا الشرط يستلزم عدم إمكان بلوغ مستوى محدد من القيمة المضافة للنشاط المعني، دون تحمل خطر الخسارة أو خطر الفشل. ومن الواضح أن المعنيين مختلفان، وأن الباحث يحمل أقوال الفقهاء على معان لا يريدونها، ولا يقوم هو بإثباتها، أو ببيان طريق التوصل إليها. ومن الواضح ما يعنيه الفقهاء بالشرط الثاني، وهو أن يكون الغرر يسيرًا. أما الباحث فقد رأى أن معناه هو أن يكون احتمال الفشل صغيرًا، أقل من احتمال النجاح. ولم يبين الباحث كيف انتقل من المعنى الذي يريده الفقهاء إلى المعنى الذي يريده هو، أو يريده العلم الغربي الذي ينقل عنه وعن كتبه. والفقهاء يعنون بالشرط الثالث أن يكون الغرر في تابع السلعة المعقود عليها، وليس في أصلها، مثل بيع الثمرة التي لم يبد صلاحها مع الأصل (الشجرة)، أو بيع الشاة مع حملها الذي في بطنها، أو مع اللبن الذي في ضرعها. لكن الباحث ذهب إلى أن المعنى هو أن الهدف من النشاط الاقتصادي المعتاد هو المنفعة أو القيمة التي يضيفها هذا النشاط، وليس الخطر الذي يستلزمه هذا النشاط، ومن ثم لا يمكن أن يكون الخطر هو الجزء المقصود من هذا النشاط. ولم يبين الباحث كيف توصل إلى هذا المعنى، لكنه ربما رآه في الكتب المتاحة ونقله في موضع يراه هو قريبًا، ويراه القارئ بعيدًا.

وإني أرى أن الغرر يتعلق بالعقود، أي بين طرفين، وليس كذلك الخطر بالضرورة. ووصف الغرر بأنه مغتفر أو غير مغتفر يختص بهذه العلاقة الغررية بين الطرفين، ولا يمتد إلى الخطر، وإن كان المعنى اللغوي لكل من الخطر والغرر واحدًا، لكن المسألة تتعلق هنا بالمعنى الاصطلاحي الذي يفرق بينهما. فالغرر بمعناه الاصطلاحي ليس مرادفًا للخطر، وليس مرادفًا لعدم التأكد. فالغرر فيه خداع، وهو بمعنى الشك، أو الشك فما دون (الوهم)، أما عدم التأكد فهو الظن، أو الظن فما دون، والخطر أعم منهما، إذ يشمل الغرر وعدم التأكد معًا، ويترجم الغرر بالفرنسية Aléa، وعقد الغرر بالفرنسية Contrat aléatoire، وبالإنكليزية Aleatory Contract. يؤيد ذلك أن القمار في تعريفه الاصطلاحي هو كل لعب على مال يدفعه الغالب إلى المغلوب. فهو حرام ولو كان كل من اللاعبين يغلّب فرصة الفوز على فرصة الخسارة. وعلى هذا فإن المعيار هنا هو معيار نوعي أيضًا، وليس معيارًا كميًا فحسب، إذ يرى الباحث الموازنة بين فرصة الفوز وفرصة الخسارة لكي يحكم على الخطر: هل هو مغتفر جائز أم غير مغتفر ولا جائز؟

-  بعد أن أجمل الباحث الشروط الثلاثة للخطر المغتفر، عاد إلى تفصيلها بأن أفرد لكل شرط عنوانًا خاصًا به. فلدى كلامه عن الشرط الأول، شرط عدم إمكان تجنب الخطر، تكلم تحته عن عدم جواز فصل الخطر عن المعاملات الحقيقية ذات القيمة المضافة، وذهب إلى أن فصل الخطر يخلق مزيدًا من الأخطار، ويجعل الاقتصاد أكثر تعرضًا لعدم الاستقرار. ولا اعتراض لي على فصل الخطر، لكن الاعتراض على أن يكون تجنب الخطر بمعنى فصل الخطر. كيف يكون المعنى واحدًا، والخطر يجب اجتنابه، عند الإمكان، ليكون جائزًا، أما فصل الخطر فلا يجوز أصلاً، أي يجب عدم فصله!

-  ميز الباحث بين الاستثمار والقمار على أساس احتمال النجاح والفشل. فالاستثمار يرجح فيه احتمال النجاح على احتمال الفشل، والقمار بخلافه. لكن لا يبدو لي أن الباحث يستطيع الاعتماد على مثل هذه المعايير الكمية وحدها. فقد يراهن أحدهم، ويرجّح الفوز، ومع ذلك يعدّ عمله رهانًا غير جائز، كما في سباق الخيل. وقد يدخل أحدهم في مشروع ذي مخاطرة عالية، ولكن ربحه المتوقع مرتفع جدًا، ولا يمكن أن يقال إن مخاطرته غير جائزة شرعًا. وقد يدخل أحدهم في لعبة، وهو شبه متأكد من الفوز، ومع ذلك تعدّ قمارًا ممنوعًا. ومن هنا فإن المعيار الكمي السهل الذي يجتهد الباحث في البحث عنه غير كاف وغير مسلم.

-  من بين الأدوات التي اقترحها الباحث للتحوط الإسلامي: التحوط التعاوني (التبادلي) الثنائي لاقتسام المخاطر بين الطرفين في البيوع المؤجلة لآجال طويلة. فإذا كان العقد إجارة منتهية بالتمليك أمكن الاتفاق على تجديد العقد دوريًا. ولكن لما كانت هذه الإجارة هي في حقيقتها بيعًا بالتقسيط تستر بالإجارة لأجل الضمان، بعدم نقل ملكية المبيع حتى الانتهاء من سداد كامل الأقساط، فلا أظن أن تجديد العقد يحظى بالجواز الشرعي بسهولة. وكذلك الأمر إذا كان العقد مرابحة، ذلك بأن تغيير الأقساط عددًا ومبلغًا ومدة لا يمكن أن يتم بدون الرجوع إلى قيمة الزمن. وإذا كانت قيمة الزمن معتبرة شرعًا عند عقد البيع، إلا أنها ليست كذلك بعد الانعقاد وترتب الأقساط في الذمة، فهذا ممكن في التمويل التقليدي عن طريق سعر الفائدة أو سعر الخصم، وليس ممكنًا في التمويل الإسلامي.

-  المأخذ الشرعي على الجمع بين البيع (الآجل) والمضاربة هو أننا نصير أمام شريك يشترك في الربح دون الخسارة! وهو جائز عندي للعامل دون رب المال. كما أن البنك قد لا يفضل التخلي عن الربح المضمون في المرابحة إلى الربح غير المضمون في المضاربة، لما في هذه المضاربة من مخاطر تلاعب المضارب بالربح، وهذا ما ذكره الباحث نفسه (ص 121). وفي كلام الباحث ما يوحي بأننا إذا تخلصنا من تنازع المصالح نكون قد حققنا المعيار الشرعي لجواز الحل المقترح!

-  الاقتراح المتعلق بتحوط الفريق الثالث اقتراح غامض، وكلام الباحث في آخره، بأنه يسمح لكل الأطراف بالكسب، يوحي بأن هذا المعيار المعتمد على نظرية الألعاب هو المعيار الشرعي لجواز الاقتراح!

-  الاقتراح المتعلق بتنويع الثمن المؤجل، كان يجب فيه التنبيه إلى أن الثمن المؤجل يجب أن يكون مثليًا، لأنه دين، وإلى أن أنواع الثمن المؤجل يجب أن يراعى فيها أن لا يكون البدلان ربويين والمبادلة ربوية. فإذا كان المبيع المؤجل قمحًا امتنع أن يكون الثمن المؤجل قمحًا أو فيه قمح، لأن مبادلة القمح بالقمح يجب فيها التساوي والحلول. كما امتنع أن يكون الثمن المؤجل شعيرًا أو تمرًا أو ملحًا أو ما يلحق به قياسًا، لأن مبادلة القمح بالشعير، أو بأي صنف آخر من الأصناف المذكورة، يجب فيها الحلول، وهكذا. وقد يؤخذ على هذا الحل أيضًا أن فيه ردّة من الاقتصاد النقدي إلى اقتصاد المقايضة.

-  الاقتراح المتعلق بالسلم بسعر السوق يوم التسليم قد يؤخذ عليه أن فيه ربا، لأنه عبارة عن 100 مقابل 110 مضمونة، أما في السلم العادي فإن الـ 110 غير مضمونة إزاء تغيرات الأسعار. وهذا ما كان بينه نزيه حماد في تعليقه على الورقة المقدمة إلى الملتقى الفقهي الثاني لشركة الراجحي 1423هـ، وأيدته في تعليقي أنا أيضًا (انظر كتابي المجموع في الاقتصاد الإسلامي، ص 453، ومقالتي في مجلة جامعة الملك عبد العزيز: الاقتصاد الإسلامي، المجلد 16، العدد 2، 1424هـ، ص 67). ولكن الباحث لم يحل على نزيه حماد في بحثه هذا، في الوقت الذي أحال فيه على محمد عمر شابرا في نقطة تتعلق بتحريم الربا في جميع الأديان (ص 96) !

-  البحث شكل ومضمون، والشكل يخدم المضمون، وفي هذا البحث عيب في الشكل، ففي الصفحات 58- 68، ذكر الباحث ثلاثة شروط للخطر المغتفر: ألا يمكن تجنبه، أن يكون يسيرًا، أن يكون تابعًا. ثم شرع في التفصيل، فخصص عنوانًا لعدم إمكان تجنب الخطر (ص58)، ثم وضع عناوين أخرى على المستوى نفسه، من حيث حجم الحرف وطبيعته (مائل)، بالرغم من أن هذه العناوين بعضها أساسي وبعضها فرعي، وهذا ما أدى إلى صعوبة المتابعة والفهم من القارئ. كذلك كرر الشيء نفسه في الصفحات 111- 140، حيث ذكر ثلاث استراتيجيات ممكنة للتحوط: التحوط الاقتصادي، والتحوط التعاوني، والتحوط التعاقدي (ص 111)، ولكنه في الصفحات التالية أضاف: التحوط الطبيعي، (ص 114)،والتحوط الديناميكي (ص 115)، كما حشر عناوين أخرى بينها على المستوى نفسه، من حجم الحرف وطبيعة الحرف (مائل). وفي مبحث البيع بثمن مؤجل (ص 125) قسم الأخطار إلى ثلاثة: خطر الائتمان، وخطر السيولة، وخطر معدل العائد. ثم أفرد مبحثًا للخطر الثاني والثالث، ولم يفعل الشيء نفسه بالنسبة للخطر الأول، بل دمجه مع مقدمة الفصل ! وتكرر العنوان نفسه تحت الفصل الواحد، فخطر معدل العائد (ص 126) تكرر أيضًا بنفس الحرف والشكل (ص 136) تحت الفصل السابع. فاختلطت العناوين بعضها ببعض، وكان لهذا أثر على متابعة القارئ من حيث سهولة القراءة والفهم. وعلى هذا يحسن ضبط عناوين المباحث تحت الفصول، وبيان ما هو أساسي وما هو فرعي، سواء في متن البحث أو في فهرسه. قد يكون سبب هذا كله أن الورقة ورقة مناسبات محددة بتاريخ معين، لم يتمكن الباحث من إنجازها في هذا التاريخ على الوجه الذي يريده. فإذا كان هذا صحيحًا فهو مغتفر في هذه الطبعة فقط، دون الطبعات اللاحقة.

أخيرًا أشكر للدكتور سامي السويلم بحثه القيم الذي كانت فيه مزايا عديدة، منها دقة الموضوع وصعوبته، ونقده للمشتقات، ورجوعه إلى عدة مراجع إنكليزية حديثة، ومحاولته التعبير عن الغرر بلغة نظرية الألعاب. هل سيتم مناقشة وتطبيق الأدوات الإسلامية المقترحة، أم ستبقى مجرد تمرينات ذهنية للتجمل؟ المصارف التقليدية عندنا تحاكي المصارف الغربية بأسمائها ومصطلحاتها، والمصارف الإسلامية تحاكيها بأسماء ومصطلحات شرعية، بدعوى أنه مجرب، وهذا هو السائد في العالم.

وكنت أتمنى أن أعرف من بحث الدكتور سويلم ما إذا كان إجراء عقد معاكس Reverse Contract يفيد فعلاً في التحوط، أم يراد منه استدراج الناس إلى المضاربة أو المراهنة على الأسعار، للوصول إلى فروق الأسعار؟  

 

خيارات الصفحة

اضافة الموقع الى المفضلة
اضافة الصفحة الى المفضلة
طباعة الصفحة

بحوث ذات صلة