موقع د. رفيق يونس المصري

  • تكبير حجم الخط
  • حجم الخط الإفتراضي
  • تصغير حجم الخط
الرئيسية مقالات إعجاز علمي محمد راتب النابلسي والإعجاز العلمي

محمد راتب النابلسي والإعجاز العلمي

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 محمد راتب النابلسي والإعجاز العلمي

محمد راتب النابلسي مؤلف موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، من مواليد دمشق 1938م. ورسالته للدكتوراه، التي حصل عليها في العام 1999م، هي بعنوان : " تربية الأولاد في الإسلام "، وهو نفس عنوان الشيخ عبد الله علوان في كتابه المؤلف من مجلدين يقعان في 1120 صفحة، نشر دار السلام، حلب، ط3 ( مزيدة ) 1401هـ= 1981م، والطبعة الأولى من كتاب علوان تعود إلى 1396هـ=1976م. وكان حريًا بالنابلسي أن ينشر رسالته كما هي وبلا تأخير، فنشرها أولى من نشر كتبه الأخرى، لكي يرى القارئ ما أضافه إلى علوان. وللنابلسي كتب أخرى مثل موسوعة أسماء الله الحسنى، وكتاب مقومات التكليف وغير ذلك، وله برامج ودروس وخطب ولقاءات تلفزيونية عديدة، في أسماء الله الحسنى والأخلاق وغيرها، ولأن أستمع إلى النابلسي أحبّ إلي من قراءته.

 

وموسوعة الإعجاز للنابلسي  مجلدان، كل منهما مستقل عن الآخر، أحدهما في " آيات الله في الإنسان " ( 447 صفحة )، والآخر في " آيات الله في الآفاق " ( 438 صفحة ). ويشترك المجلدان في مقدمة واحدة ( 35 صفحة ) تتكرر في كل منهما. كما يشتركان في قائمة مراجع واحدة (  158 مرجعًا ). والموسوعة نشر دار المكتبي بدمشق، ط 2 ( منقحة ومعدلة )، 1426هـ = 2005م. ولم أفهم الفرق بين " منقحة " و " معدلة " : هل التنقيح يتعلق باللغة والطباعة، والتعديل بتعلق بالمضمون العلمي والأرقام؟ ربما كان يحسن أن يشرح هذا في مقدمة الطبعة، ولكن لا توجد مقدمة لها أصلاً. والموسوعة مجلدان، كما قلت، ولا أدري إن كان الناشر يبيع كل مجلد على حدة، أم يبيعهما معًا؟

وتضمنت المقدمة أو المقدمات كما سمّاها المباحث التالية:

- الإعجاز؛
- العلم؛
- القرآن والسنة؛
- قصة الكتاب.
وتضمنت هذه المباحث في طياتها :
- قواعد وأسس أبحاث الإعجاز العلمي؛
- منهجية أبحاث الإعجاز العلمي في ضوء منهج السلَف وكلام المفسرين؛
- أوجه الإعجاز العلمي؛
- ضوابط البحث في الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة؛
- أهمية أبحاث الإعجاز العلمي وثمارها.

وذكر في قصة الكتاب أن كتابه هو حصيلة عدد من المحاضرات والدروس التي ألقيت خلال ثلاثين عامًا، وعرضت على متخصصين في العلوم المختلفة، ولكنه لم يذكر اسم أي واحد منهم. وفي خاتمة المقدمة شكر المؤلف الذين دققوا النصوص لغويًا، دون ذكر أسمائهم أيضًا. وقد يكون هذا مستغربًا لأن المؤلف خريج لغة عربية، فلماذا تراجع كتاباته لغويًا؟ هل كان مستواه اللغوي أقلّ عندما ألّف الكتاب في طبعته الأولى؟ والكتاب كما علمت يدرّس كله أو بعضه في معهد الفتح بدمشق بدل مادة العقائد والفرق.

آيات الله في الإنسان : يتضمن هذا المجلد بعد المقدمات الأبواب التالية : الإنسان، علم النفس الإسلامي، النوم، الصلاة، الصوم، الحمل والجنين والولادة، الهيكل العظمي، الدماغ، الحواس الخمس، القلب والأوعية، الغدد، جهاز الهضم، جهاز التنفس، جهاز الإفراز، الجلد والشعر، جهاز المناعة، الأمراض والطب. وتحت كل باب من هذه الأبواب عدد من المباحث يقل أو يكثر. 

آيات الله في الآفاق : يتضمن هذا المجلد بعد المقدمات الأبواب التالية : الكون، الشمس، الأرض، الماء، النبات، الحيوان، الأسماك، الطيور، الحشرات.

مزايا الكاتب والكتاب :

  •  المؤلف صاحب طريقة متميزة في الدعوة، يجمع بين الرقائق والأرقام، ويبتعد كغيره من مشايخ الفضائيات عن القضايا المعاصرة الحساسة المتعلقة برجال الحكم ورجال المال. وكان يقتصر في دروسه على مسجد عبد الغني النابلسي الكائن في حي الشيخ محيي الدين بمدينة دمشق. لكن قناة الرسالة الفضائية يسّرت  مؤخرًا له ولعدد من المشايخ السوريين سبيل الظهور في الفضائيات. وشاهدت بنفسي عددًا من أحاديثه التلفزيونية المميزة والمؤثرة، والتي ربما يتفرد بطريقتها عن سائر المشايخ في القنوات والبرامج التلفزيونية كلها.
  •  إذا قرأت كل مبحث من مباحثه في المجلدين، بمعزل عن عنوان الكتاب، فإنك تستمتع بما تقرأ، وإن كنت تحتاج ألا تأخذ الكتاب كله جرعة واحدة. ولا شك أن المؤلف بذل جهدًا كبيرًا في التقاط هذه المعلومات من هنا وهناك، قال إنه استغرق جهده ثلاثين عامًا، وعلينا أن نفهم أنه لم يكن يركّز على تأليف الكتاب خلال هذه المدة كلّها، بل كان خلال الثلاثين عامًا يقوم بأعمال أخرى كثيرة، قد يكون الكتاب واحدًا منها أو في مؤخرتها على الأغلب.
  •  ذكر الكتاب هذه الآية : ( وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتًا ومن الشجر ومما يَعرِشون، ثم كُلي من كُلِّ الثمرات، فاسلكي سُبُل ربك ذُللاً يخرجُ من بطونها شرابٌ مختلفٌ ألوانُه ) النحل 68-69. وأخذ منها أن الخطاب القرآني للنحل جاء بصيغة التأنيث : ( اتَّخِذي، كُلِي، اسلُكي، بطونها )، في حين أن الخطاب القرآني للنمل جاء بصيغة التذكير : ( قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ) النمل 18. فجماعة النمل وكذلك جماعة النحل فيها ذكور وإناث. فخطاب التذكير في النمل يشمل الذكور والإناث كما هو معروف في اللغة العربية، أما خطاب التأنيث في النحل فلا يشمل إلا الإناث، لأن إناث النحل ( العاملات أو الشغالات ) هن اللواتي يصنعن العسل.
    ويمكن أن نضيف إلى هذه المقارنة الثنائية ما نقله في موضع آخر من الكتاب حول العنكبوت : ( كمَثل العنكبوت اتخذتْ بيتًا ) العنكبوت 41. قال : ( اتخذتْ )، ولم يقل : ( اتخذ )، لأن أنثى العنكبوت هي التي تبني البيت، وليس الذكر.
    وبهذا فإن كتابه في هذه النقطة يكون أقرب إلى القبول من كتاب هيئة الإعجاز العلمي، الذي لم يعقد هذه المقارنات بين النحل والنمل والعنكبوت، مما يجعل قارئه يتردد في قبول الفكرة، كما بينت سابقًا في نقدي للكتاب المذكور.

ما يؤخذ على الكتاب :

  •  الكاتب متخصص في اللغة العربية، والكتاب يتضمن علومًا شتى، لا يستطيع عالم واحد أن يلمّ بها جميعًا. وما يستطيع أن يفعله المختص باللغة العربية هو أن ينقّح كتابات العلماء في هذه العلوم المختلفة تنقيحًا لغويًا لا أكثر. وفي هذا العصر أعرف بعض الكتّاب ممن يحملون شهادة جامعية أو عليا في اللغة العربية يؤلّفون كل ما يقرؤون، بطريقة القصّ واللزق، في كل العلوم، حسبهم أن يصححوا بعض الأخطاء النحوية والإملائية، لكي يصيروا باحثين ومؤلفين في كل علم! ويطلق عليهم بعض الجهال أنهم مفكرون إسلاميون، والأرجح أنهم ثرثارون إسلاميون!
  •  وبما أن الكاتب متخصص أيضًا بالدعوة الإسلامية فإنه يستطيع أن يساعد أيضًا المتخصصين من العلماء في الحقل الديني، بالإضافة إلى الحقل اللغوي. وكثير من الدعاة تجدهم إما متخصصين أصلاً في الشريعة أو في اللغة. وهما فرعان علميان مترابطان، كل منهما يوصل إلى الآخر، مع اختلاف النسبة في كل داعية.
  •  الكتاب غير موثق علميًا، فلا تكاد تجد أي إحالة في متنه على أي كتاب علمي في مجال التخصص أو في مجال الإعجاز العلمي. فالكتاب يحيل على القرآن وكتب الحديث، وهذا أمر حسن، ولكن القارئ يتطلع بشغف إلى أي إحالة علمية فلا يجدها، وإذا وجد القارئ إحالة ما من هذا القبيل فإنه يكاد يطلق الزغاريد. والإحالات العلمية أمر لا يتعلق بالتوثيق العلمي فقط، بل يتعلق أيضًا بالأمانة العلمية، التي يعرفها الباحثون، والحاصلون على الماجستير والدكتوراه. والمعلوم أن من بركة العلم الإحالة على المصادر. هل يخشى المؤلف لو أحال على غيره أن يفرَّ القراء منه إلى غيره؟
    ومن عجيب ما جاء في الكتاب في هذا الباب قوله مثلاً : " ثمة باحث من دولة عربية مجاورة، عرف بإنتاجه العلمي والعملي على المستويين العربي والدولي، اختصاصه في علم فزلجة النبات، وهو أستاذ جامعي له وزنه العلمي، وقد اشتهر بتجاربه العملية الرائدة " ( آيات الله في الآفاق  ص 219 ). ما هذه الحزورة أو الفزورة؟ هل ضنَّ النابلسي بذكر اسم هذا الباحث، حتى كنى عنه كما يكنى عن مرض السرطان! لماذا كل هذا الهروب وكل هذا التكلّف الذي يوقع في العجائب؟! وفي موضع آخر قال : " لكن أستاذًا في علم الحشرات، في كلية العلوم، في جامعة القاهرة، قال في بعض كتبه العلمية " ( آيات الله في الآفاق ص 415 )، لم يذكر اسم المؤلف ولا عنوان الكتاب، مع أنه مؤلف عربي مسلم، لا يصعب على القرّاء النطق باسمه ولا بعنوان كتابه!
  •  في حالة نادرة أحال المؤلف عى مقالة للدكتور نزار الدقر، لدى كلامه عن أضرار التدخين، لكن القارئ عرف أول كلام الدكتور الدقر ولم يعرف آخره، هل آخره ينتهي بانتهاء المبحث، بعد 12 صفحة أم ماذا؟ وهل ينقل المؤلف عن غيره بالحرف أم بتصرف؟ ولعل الدكتور الدقر كان محظوظًا لسبب أو لآخر، يعلمه الكاتب ولا يعلم القارئ عنه شيئًا.
  •  ذكر المؤلف أن هناك متخصصين راجعوا كتابه، لكنه كعادته لم يذكر أسماءهم، وكان من المفضل ذكر أسمائهم وتخصصاتهم، كما كان من المفضل شكرهم، وربما تكليفهم بتقديم الكتاب وبيان ما له وما عليه، أما الذين يقرّظون تقريظًا محضًا فإني أرى أن عملهم هذا لا يجوز. هذا بالرغم من أن الكتاب يحتاج إلى عدد أكبر من المتخصصين، لأنه يتناول موضوعات علمية تنتمي إلى علوم كثيرة. ولا يستطيع متخصصان أو عدد قليل من المتخصصين مراجعة هذه النقول المختلفة بدقة علمية كافية.
  •  أذكر هنا أن الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه " فقه الزكاة " استعان بأستاذ متخصص في الحساب أو الرياضيات، ولم يذكره ولم يشكره، ولكن في طبعة لاحقة تبين له أو بُيِّن له أن الحساب الذي قام به أستاذ الحساب هو حساب مغلوط، عندئذ ذكره القرضاوي في طبعة لاحقة ووبخه! ربما أراد الشيخ القرضاوي في البداية أن يدّعي لنفسه علم الحساب، فلما تبين الخطأ وافتضح الأمر قال : إني بريء من الحساب وأهله. شُكر مَن أعانك ليس مجرد شكر، وليس مجرد تشريف، إنه أيضًا تكليف. كما أن نسبة شيء إليك وهو يعود لغيرك هذا غير جائز علميًا ولا شرعيًا، فكيف يستجيزه الدعاة والوعاظ والمشايخ؟ تُخفون اسم من أعانكم عند الشكران، وتصرّحون به عند الكفران ( تكفرون ولا تشكرون ! ). وهؤلاء المشايخ هم الذين يعلموننا صباح مساء أن من لم يشكر الناس لم يشكر الله! متى يتطابق فعل العالم مع قوله، ويتم تجسير هذه الهوة؟
  •  القرضاوي استعان بالخبير في جزء من كتابه، أما النابلسي فقد استعان بالخبراء في جميع كتابه، فماذا لو حدث للنابلسي ما حدث للقرضاوي، لو تكشّف له بعد مدة أن هؤلاء المتخصصين وقعوا في الخطأ، أو تعمدوا الخطأ، ماذا يفعل؟ هل سيصرّح بأسمائهم ويذمّ عملهم ؟ لو علم الخبراء أن الفقهاء يستفيدون منهم ولا يُحيلون عليهم، ألا يمكن أن يورّطوهم ؟ أنا أعلم أن بعض الذين يستغلّون نفوذهم طلبوا ممن تحتهم أن يكتبوا لهم كتبًا أو رسائل علمية، فما كان من هؤلاء إلا أن عمدوا إلى بعض الكتابات السابقة وسرقوها لصالح رؤسائهم ! فصار المؤلف سارقًا، بالوكالة : وكّلَ سارقًا يسرق له في مقابل منفعة ! لماذا يحبّ الفقهاء لأنفسهم الشهرة ويحبّون لغيرهم الخمول؟ لماذا يحبون لأنفسهم الظهور ولغيرهم الغمور ؟ يجعلونهم مغمورين عند الغنم، ومشهورين عند الغرم.
  •  ماذا لو قال راوي الحديث النبوي : عن ( س ) عن ( ع ) عن ( ص ) قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا ؟ أو : عن مجموعة من الرواة الثقات قال كذا ؟ يجب التصريح بأسماء الرجال كي تعرف أحوالهم ولكي يخضعوا للتجريح والتعديل، لكي يتمكن الناس من الحكم عليهم علمًا وخلقًا، كفاءةً وأمانةً. ولا يكفي أن يقول المؤلف بلسان المقال أو الحال: أنا أحتفظ عندي بأسمائهم، أو لا مصلحة لي في ذكر أسمائهم، أو أن هذا الأمر لا يعني القرّاء !
  •  الباحثون في الإعجاز العلمي أو في غيره قد يختارون ألا يفضح أحدهم الآخر، وفي هذا التواطؤ غنيمة لهم، وكارثة على قرّائهم. ولو انفتح باب النقد أو التناقد لربما ألغى بعضهم بعضًا، وألغى كل واحد عمل صاحبه. فلا يبقى إلا القليل والقليل جدًا من الأعمال الرصينة التي تصمد أمام النقد.
  •  الكتاب كغيره من كتب الإعجاز العلمي لا يميز بين إعجاز الله في قرآنه وإعجاز الله في مخلوقاته. وهذا الإعجاز الأخير لا علاقة له بالإعجاز في القرآن والسنة، ولكن يمكن أن يكون له علاقة بالإعجاز العلمي، من حيث إن العلم الحديث هو الذي دلّنا على حقائق علمية مدهشة تدل على عظمة الخالق. وهذا الخلط بين هذين النوعين من الإعجاز خطأ  شائع جدًا في بحوث الإعجاز العلمي في هذا العصر. وأكثر ما جاء في الكتاب هو من قبيل إعجاز الله في مخلوقاته، الأمر الذي لا يتناسب مع عنوان الكتاب، وهو الإعجاز العلمي في القرآن والسنة. كان يحسن أن يكون العنوان : إعجاز الله في الإنسان والكون. أي كان من المستحسن مسح العنوان الآخر. ولعل العنوان المناسب أن يكون مثلاً " العلم والإيمان "، أو " العلم يدعو إلى الإيمان "، وما أشبه ذلك. ويمكن أيضًا اختصار العنوان في سطر واحد بدل أربعة أسطر، بحيث يمكن أن يكون عنوان أحد المجلدين : " آيات الله في الإنسان "، والآخر : آيات الله في الكون ". ولعلي أقترح بهذه المناسبة أن تسمى هيئة الإعجاز في مكة المكرمة : الهيئة العالمية للإعجاز العلمي، دون ذكر القرآن والسنة، لأن معظم بحوث الإعجاز فيها هي من باب إعجاز الله في مخلوقاته.
    وللتمييز بين إعجاز القرآن والسنة وبين إعجاز المخلوقات أهمية أخرى. فالإعجاز الأول خاص بالمسلمين، وعليهم يتعين اكتشافه. أما الآخر فإنه يعمّ جميع المؤمنين بالله ولو كانوا غير مسلمين، ويمكن للمسلمين في هذا الباب أن ينقلوا عن العلماء غير المسلمين. ولهذا السبب نجد أن أكثر ما يكتبه المسلمون متعلق بالنوع الثاني ومنقول عن علماء الغرب، مثل كتاب " الإنسان ذلك المجهول "، وكتاب " العلم يدعو إلى الإيمان "، وكتاب " الله يتجلى في عصر العلم " وغيرها من الكتب الأجنبية في مجال الإعجاز العلمي.
  •  الكتاب لا  يميز أحيانًا بين السنن والخوارق، فالإعجاز العلمي يتعلق بالسنن والقوانين العلمية، أما الخوارق فأمر خارج عن العلوم والقوانين والسنن، ولا علاقة لهذه الخوارق بالإعجاز العلمي على الإطلاق. ففي مطلع كتابه " آيات الله في الإنسان " خصص مبحثًا بعنوان : " أليس الكون معجزة "، هذا العنوان فضلاً عن أنه يخص المجلد الآخر، لا هذا المجلد، فإن المؤلف يتكلم فيه عن قوله تعالى : ( يا نارُ كوني بَردًا وسلامًا على إبراهيم ) الأنبياء 69. ويقول إن النار لا تحرق إلا بإرادة الله، وكذلك يتكلم عن قوله تعالى : ( فأوحينا إلى موسى أن اضربْ بعصاك الحجرَ فانفلق فكان كل فِرْق كالطودِ العظيم ). فهذا كلام عن خوارق السنن، وليس عن السنن العلمية ولا عن الإعجاز العلمي. ثم يقول : " البعوضة معجزة، الخروف معجزة " ... إلخ. هذا في ذاته صحيح، لكن ما علاقته بالإعجاز العلمي الذي عرّفه الكاتب بأنه " إخبار القرآن الكريم، أو السنة النبوية، بحقيقة أثبتها العلم التجريبي أخيرًا، وثبت عدم إمكان إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول ". أفليس من الضروري أن يلتزم الكاتب هذا التعريف ويطبقه على كل مبحث من مباحث كتابه. وفي كتابه : " آيات الله في الإنسان " تكلّم عن : " قرحة السرير "، وذكر هذه الآية المتعلقة بقصة أصحاب الكهف : " ونقلّبهم ذات اليمين وذات الشمال " ( الكهف 18 ). ثم قال : " لولا هذا التقليب لتقرّحت جلودهم ولماتت أنسجتهم ولماتوا (...) وقد راقب العلماء نائمًا فإذا به يغيّر وضعه في الليلة الواحدة أكثر من 36 مرة، دون أن يشعر، لئلا تُهرس أنسجته تحت ضغط الدم وضغط السرير". هذا الذي يقوله النابلسي غير مسلّم، فالآية كما فسّرها المفسّرون فيها أقوال، منها : أنه لو لم يقلّبهم لأكلتهم الأرض من طول مكثهم، وهذا قريب مما ذكره. ومنها أنهم كانوا يقلّبون في كل عام مرتين، ومنها أنهم لم يقلّبوا 300 سنة، ثم قلّبوا بعدها 9 سنين. وبالإضافة إلى ذلك فإن الآية جاءت في معرض الخوارق، لا في معرض السنن، فمن ذا الذي يستطيع أن يقول ما قاله النابلسي بأنه لولا التقليب لماتوا! هل أخذ النابلسي قول العلماء مسبقًا ثم راح يبحث عن آية وعن تفسير؟! هل وجد ذلك في كتب الباحثين في الإعجاز العلمي، ثم أخذ به بدون تمحيص؟! إن على هؤلاء الباحثين أن يميّزوا بين السنن العلمية والخوارق.

 

  •  هناك تساهل في بعض الأحيان في الشواهد القرآنية والحديثية. 

-  ففي مبحث الخلايا ذكر المؤلف أن الشيخ ( المُسِنّ ) هو الذي غلبت فيه عوامل الموت على عوامل الحياة، واستشهد بالآية القرآنية : ( تُولج الليلَ في النهار وتولج النهارَ في الليل، وتُخرج الحيَّ من الميّت وتخرج الميتَ من الحيّ ) آل عمران 27. أما الجزء الأول من الآية المتعلق بالليل والنهار فليس هو موضع الشاهد، وأما القسم الثاني ففيه بُعد، فلا ترقى دلالة النص إلى مستوى القطع ولا الظن ولا الشك، بل لعل هذا التفسير العلمي هو مجرد وهم.

-  وكذلك استشهاده بآية : ( أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوِّيَ بنانه ) القيامة 3-4، للدلالة على بصمة أصابع الإنسان ، فيه بُعد أيضًا لأن تسوية البنان عامة جدًا والبصمة خاصة جدًا، بالإضافة إلى أن الآية في سياق البعث من القبور، لا في سياق الدنيا. وعلى المؤلف أن لا ينساق كثيرًا خلف الباحثين المعاصرين في الإعجاز العلمي،  لأن معظمهم متساهلون ولغتهم العربية ليست على ما يرام. وهناك مشايخ ودعاة يتكلمون اليوم بالعامية ولا يحسنون العربية، فإذا تكلموا العربية لم يفرقوا بين الفاعل والمفعول، ولا بين المرفوع والمنصوب، إلا ما كان من قبيل المحفوظات.

-  وكذلك استشهاده على الإحباط النفسي بقوله تعالى : ( لَيحبَطنَّ عملُك ) الزمر 65. هل حبوط النفس هو حبوط العمل؟!

-  وفي كلامه عن " فيتامين (د) وعلاقته بالصلاة " استشهد بقوله تعالى : ( وترى الشمسَ إذا طلَعت تَزاورُ عن كهفهم ذاتَ اليمين وإذا غَرَبت تَقرِضُهم ذاتَ الشِّمال وهم في فجوةٍ منه ذلك من آيات الله ) الكهف 17. ما علاقة الآية بأشعة الشمس البنفسجية قبل الشروق وقبل الغروب؟

  •  هناك أحيانًا عدم تطابق بين النص ( الشاهد ) والعلم. قال تعالى : ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتابٍ مبينٍ مِن قبلِ أن نبرأها إنَّ ذلك على الله يسير لكيلا تأسَوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) الحديد 22-23. قال المؤلف : " أشارت الآية إلى أن الإنسان إذا ازداد حزنه، أو ازداد فرحه، لم يتحمل قلبه هذا ولا ذاك ". قوله : " لم يتحمل قلبه " قد يكون صحيحًا في ذاته، ولكن لا أدري أين الجزء من الآية الذي يدل عليه؟!
    كذلك في مبحثه عن " النوم على الشق الأيمن " استشهد بحديث ينهى عن النوم على البطن! وهناك نوم على الشق الأيسر، ونوم على الظهر ... إلخ. فكان من المناسب أن يتكلم عن أضرار النوم على البطن، ويركّز على هذه الأضرار.
    كذلك في مبحثه عن أضرار " النوم المديد " استشهد بحديث يبيّن ثقل صلاة الفجر والعشاء على المنافقين. والعلاقة غير واضحة.
  •  وكذلك لا يسلم له ما هو شائع من تصنيفه للنفوس الوارد ذكرها في القرآن إلى : مطمئنة، لوّامة، أمّارة بالسوء ... إلخ. فهذه قد لا تكون مراتب، بل قد تكون أطوارًا : تارة تكون النفس أمّارة، وتارة لوّامة، وتارة مطمئنة، وقد لا تطمئن النفس إلا بالموت إذا غلب عليها الصلاح. وإذا كان المؤلف يعتقد غير ذلك فأنا على استعداد لأن أرافقه في حضر وسفر، لمدة أسبوع على نفقتي الخاصة، لكي أتأكد من تفسيري، بشرط أن يكون طبيعيًا في سلوكه وتصرفاته لا يتصنّع ولا يتجمّل. وإذا كان له مزاجه الخاص، فالخاص لا يكون معيارًا.
  •  هناك بعض المبالغات كقوله إن الانفعال سببه الشرك. وهذا قد يوهم بأن المؤمن لا ينفعل. قال تعالى : ( ولما رجع موسى إلى قومه غضبانَ أسِفًا قال بئسما خَلَفتموني مِن بعدي أعجِلتم أمرَ ربكم وألقى الألواحَ وأخذ برأس أخيه يَجُرُّهُ إليه ) الأعراف 150. أتدرون ما الألواح وما فيها؟ قال تعالى : ( وكتبنا له في الألواح مِن كل شيء موعظةً وتفصيلاً لكل شيء فخُذْها بقوة وأمُرْ قومك يأخذوا بأحسنها ) الأعراف 145. وقال تعالى أيضًا : ( ولما سكت عن موسى الغضبُ أخذ الألواحَ وفي نسختها هدًى ورحمةٌ للذين هم لربّهم يَرهَبون ) الأعراف 154. وكان نبينا صلى الله عليه وسلم لا يغضب لنفسه، ولكنه إذا انتهكت محارم الله  فلا يقوم لغضبه شيء! فهل يريد النابلسي ومريدوه أن يظهروا بمظهر يكونون فيه أتقى من الأنبياء؟!
  •  في موضع واحد أو في موضعين فقط من كتابه استعمل عبارة غير لائقة بحق علماء الغرب، وكأن الأمر يتعلق بساستهم أو مافياتهم، وليس بعلمائهم. قال : " هذه هي النظرية النسبية التي يتيه الغرب بها ". وقال في موضع آخر : " هذه آيات الله الكونية تشهد له بالعظمة والوحدانية، وقد نعقت بها أبواق الغرب في سنين خلت، وهي مبثوثة في القرآن منذ أربعة عشر قرنًا "! نحن المسلمين يعاب علينا أن الغرب كلما سبق إلى اكتشاف حقيقة علمية قلنا له : لقد سبق إليها القرآن منذ أربعة عشر قرنًا! سبقناكم سبقناكم ! يا ليتنا نحن الذين نعقنا بها! لولا هذه العلوم الغربية ما أمكن للمؤلف وغيره أن يتحدث في التفسير العلمي ولا الإعجاز العلمي. فمعظم ما ينقل في الإعجاز العلمي، في عصرنا هذا،  هو من قبيل إعجاز الله في مخلوقاته، وكله منقول عن الغرب!
  •  ردّد المؤلف أكثر من مرّة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أحجم، باجتهاد منه أو بتوجيه من الله تعالى، عن شرح أكثر الآيات الكونية في القرآن الكريم، ذلك أنه لو شرحها شرحًا مقتضبًا موجزًا لأنكر عليه مَن سيأتي بعده، ولو شرحها شرحًا مفصلاً لأنكر عليه مَن حوله، فتُركت لتطور الحياة والعلم. أقول : هذا التعليل غير مسلّم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، ويمكن تفسير كلامه في ضوء تطور العلوم. ويمكن أن يشرحها ولا أحد من العقلاء ينكر عليه، لا ممن حوله ولا ممن سيأتي بعده. والمؤلف نفسه يتحدث في كتابه عن إعجاز الحديث والسنة كما يتحدث عن إعجاز القرآن، ونحن نُعجب بهذه المعاني الجديدة التي لم تكن مفهومة في العصور السابقة.
  •  لدى الحديث عن التلوث ختم المؤلف بقوله : لا أدعوكم إلى ترك ركوب السيارة، بل أردتُ من هذا الكلام أن أبيّن لكم أثر الحضارة الغربية السلبي في البيئة الإنسانية! إذا كنت لا تدعوهم إلى ترك ركوب السيارة الخاصة، فإلامَ تدعوهم، هل خشيتَ أن يغضبوا عليك، أم خشيتَ أن يأخذوا عليك ركوبك السيارة؟ ألا نستطيع أن نخفف من السيارات الخاصة، باللجوء إلى الحافلات العامة؟ قد يؤخذ على كثير من علماء عصرنا، لاسيما مشايخ الفضائيات، أنهم لا يريدون أن " يزعلوا " أحدًا، حتى لو كان ظالمًا ينتمي إلى القطاع العام أو الخاص ( رجال السياسة ورجال المال والعوام )، حتى إنه لو تنازع شخصان على مال، واحتكما إلى شيخ، لآثر الشيخ أن يعقد بينهما صلحًا، حتى لو تبيّن له بوضوح أن هذا محقّ وهذا مبطل. إنهم نجوم يهتمون بالجماهير، ويتباعدون عن السلطة السياسية والسلطة المالية وسلطة العوام، ويكرهون أن يقولوا للظالم إنك ظالم، وللمخطئ إنك مخطئ، ولو على حساب الحقوق والحقائق، اللهم إلا أن يكون ذلك من أفق بعيد وبعيد جدًا. وكأني بهم يقولون في أنفسهم : إن للبيت ربًا يحميه! فما لنا نحن!
  •  ذكر المؤلف في أحد المجلدين حديث " صوموا تصحوا "، ولم يُحِل على أي كتاب من كتب الحديث. ولكنه فعل ذلك في المجلد الآخر، في موضعين منه. 
  •  كان من المناسب في كل مبحث من مباحث الكتاب أن يبيّن هل هذا المبحث  من قبيل التفسير أم من قبيل الإعجاز. كما كان من المناسب بيان تطبيق الضوابط المذكورة في مقدمات الكتاب.
  •  تبويب الكتاب لو تمّ حسب العلوم المتعارف عليها لربما كان أفضل.
  •  قائمة المراجع آخر الكتاب غير مرتبة هجائيًا. وإذا كان المقصود هو ترتيبها حسب الترتيب الهجائي لعناوين الكتب، إلا أن هذا الترتيب يعاني من كثير من الخلل. وبعض هذه المراجع مكرّر، ولكنه قليل. ولو رتّبت حسب الترتيب الهجائي لانتفى التكرار.
    وأخيرًا فإني متخصص في الاقتصاد الإسلامي والفقه المالي، وأكتب في تخصصي، ولا أتناول أي كتاب في الطب أو الفيزياء أو الكيمياء أو الجيولوجيا أو الهندسة ... إلخ، لأقتطع مقاطع من هنا وهناك لأضعها في كتاب، وأوهم الناس بأني عالم موسوعي في جميع العلوم، ولو وقع خطأ مطبعي في كتاب عربي أنقل عنه، وما أكثر الأخطاء في الكتب العربية، فإني لا أستطيع تصحيحه، ولا أملك سبل هذا التصحيح. وقد يبدو أني في هذه المقالة أتعرض لشيء يدخل في غير تخصصي، والحقيقة أنني مهتم بمباحث الإعجاز الاقتصادي، ومهتم أيضًا بالمباحث المجاورة التي ألتقي معها في أشياء مشتركة، كما أني أنتقدها من الناحية المنهجية، ولا أدخل في التفاصيل العلمية التي أتركها للمتخصصين فيها كلّ في حقله، وإني أتعجب من علمائنا المتخصصين كيف لا ينتقدون الكتب التي تكتب باسم الدين والعلم والإعجاز العلمي، وكأن أحدًا لا يسمع ولا يقرأ ولا يشاهد، إن الحركة العلمية والحركة النقدية عندنا تكاد تكون ميتة. وقد وقع لي أني قرأت كتابًا على شاكلة كتب الإعجاز العلمي، قدّم له عدد من الدعاة وعلماء الشريعة، ولكن بدا لي أنهم لم يقرؤوا الكتاب، فأحدهم تكلم في التقديم عن نفسه، والآخر تكلم عن عمله، والثالث تكلم كوزير خارجية ... إلخ. وتمنيت أن يكون واحدٌ منهم قرأ الكتاب وفهمه ونقده، والكتاب كله تفاصيل علمية مستنسخة من كتب دراسية جامعية وغيرها، وليست له أي قيمة علمية في بابه وعنوانه، ثم إني أتساءل هل يجوز التقريظ المحض للكتب، إني أشك. هذا  والله أعلم.
 

خيارات الصفحة

اضافة الموقع الى المفضلة
اضافة الصفحة الى المفضلة
طباعة الصفحة

بحوث ذات صلة

حوارات ذات صلة

مراجعات ذات صلة

ترجمات ذات صلة

تحقيق / تحرير ذو صلة